كمال حاج من البقيعة يتغنّى بحبه لعائلته ويروي أسرار عين القرية وملحمة الصمود تحت ظل التوتة

موقع المرج

نقلا عن موقع الحقيقة

بوجهه البشوش، استقبلني (أبو مشيل) كمال ميخائيل حاج 79 عامًا، أمام مدخل بيته العامر في البقيعة، وبخفّة دم وتواضع وكثير من كلمات الترحيب والتأهيل، أهلا وسهلا تفضل، يا مرحبا، تفضل على محلَّك، يا إم مشيل ضافونا دار البكري.

وبعد ما استقر بنا الحال في صالون البيت قلت: إنتي خْلقت طبعًا في بيت والدك القديم؟…. أبو مشيل: “خْلِقْتْ في بيتنا القديم في البقيعة القديمة سنة 1933″… قلت: عزيادة وتضلك قوي…. جاوبني أبو مشيل بأسلوبه الفكاهي اللي مِعْتاد عليه: “بالنسبِة إلي، إسّا فِشّْ موت، يمكن أعيش ميتْ سِنِة مين بِعْرِفْ، ضَغْطْ دمّ مَفِشْ وسُكَّرْ مَفِشْ، وعِندي زوجِة حِلوِة ومنيحة بصفاتها وأخلاقْها، ومثل ما قال بيتْ الشعر: كن جميلاً تر الوجود جميلا”…. قلت: هيك إم مشيل لازم تغار عليك؟…. ضحكت إم مشيل وقالت: “لما كان أبو مشيل في الأردن، اتصل صاحبُه اللي كان معاه صباحيِّة بِقول: تعالي شوفي الصبيِّة الحلوِة اللي قاعدِة حدّْ جوزِكْ، جاوبْتُه: خَلّيهن صَبِيْتينْ، لأني واثقة بزوجي”.

إذا ضاعَتْ بقرة لشخص البلد كلّها تِفْزع

قلت: احْكيلي عن طفولتك…. أبو مشيل: “أنا عِشتْ في بيت مستور الحال، أبويْ كان مْعَلِّمْ عَمارْ، ضَلّْ يِعَمِّر لبيوت القديمِة والقَناطِرْ حتى سنة 1945، عشتْ يتيم الأم، وأبويْ حَضَنّا ورَبّانا أنا وخَواتي الخمسِة وأخويْ موسى، واشتغل أبويْ في أرضنا القريبِة من بيت جن (حوالي 70 دونم) وبعد الاحتلال صَوّرتها الطيارة الإسرائيلية، وبحجِّة إنها أرض صخرية صادرتها الحكومة وأخذوها، كان أبويْ يِزرعها دخان وقمح، بذكُر عالموسم تعمل كانت الأرض تِعمل 12 كيل قمح”.

  أكثر ما يرسخ في ذاكِرْتي كان طيبِة أهالي البقيعة وعلاقتهم مع بعض كعائلة واحدة، الكل يساعد الكلّْ في الزراعة والحصيدِة وصَبِّة الباطون، إذا احتاج شخص مساعدة، كانت البلد كلها تِفْزَعْ، وإذا ضاعَتْ بقرة البلد تِفْزع للبحث عنها، ما كان يمكن أن تميِّز المسلم من المسيحي من الدرزي وحتى البيت اليهودي الوحيد في البقيعة ما كنت تْفَرّْقُه عن باقي لِبيوت”.  

وتابع أبو مشيل: “في سنة 1940 دخلت عالمدرسة الابتدائية في البلد، وكان التعليم فيها للصف الرابع، لكن الحالة الماديِّة ما سمحتْلي أواصل تعليمي في مدرسة ترشيحا، أخويْ تعلّم في ترشيحا للصف السابع، كانت أجرة الباص قرش ونُصْ من لِبقيعة لَترشيحا وغالبيِّة الناس ما معها مصاري. تْعلَّمت خمس سنين وفي الـ45 تركت المدرسة، وقرر أبويْ أن أعيد الصف الرابع للتَقْويِة واشترالي كتاب (الزير سالم) وكتاب (تغريبة بني هلال)، ولا أزال أحفظ قصص التغريبِة حتى هذا اليوم عن ظهر قلب، منها:

سَيَّجْتْ حول الدارْ خوفي من العِدا

                                 تاري ما سْياجْ الدارْ إلا رْجالْها

إن عانني ربي وقتلتْ ابن غانم

                                لانْصُبْلَكْ مشنقة وأعَلّي حْبالْها

“عين البقيعة” يعني، الماء والخضراء والوجه الحسن

قلت: حْكيلي يابو مشيل عن طبيعِة جياة الناس اليومية؟….. أبو مشيل: “بذكُر كان يُقعُد أبويْ مع جارْنا اليهودي يوسف الزيناتي ولِخْتيارِيِّة يتحدّثوا عن العصافير والزراعة وحالة الطقس، هاي كانت أكثر المواضيع اللي كانوا يِحكوا عنها في حياة الناس البسيطة.

بِحُكم وجود البقيعة فوق سطح البحر، كانت الناس مثلاً تْقولْ: فلانْ نازِلْ بُكرة على عكا، وكانوا يْوصّوه يجيب جريدة “الدفاع” وجريدة “فلسطين”، ولما يِرجع، تِتْجمَّع الخلاّن ويِقرأوا الجريدة على الحاضرين”…. قلت: عين البقيعة له مكانة كْبيرِة في البلد والمنطقة؟…. أبو مشيل: “عين البقيعة كانت كما قال المثل (الماء والخضراء والوجه الحسن)، (الماء)… تعني مياه العين الصافية، (الخضراء)… الشجر المحيط بالعين والقعدة تحت شجرة التوتة المعمِّرة، أما (الوجه الحسن)… فهُنَّ، صبايا العين (المَلاّياتْ). كانت الصبية تيجي عالعين تِتْعايَقْ بْمَشْيِتْها، تِمشي وتِتْمايَلْ والجَرَّة على راسْها بِدون ما تِمْسِكها بإيديها بشكل مُلْفِتْ للنظر، الصبايا تْمَللي الجرارْ من تحت المُزْرابْ… والشباب كانوا يِحُطّوا رِجْليهِنْ بالميّْ ويِتْسامروا. أما إحْنا الصغار، كُنّا نْلِفْ شَرايِطْ، ومنها نِعمَلْ طابِة، ونِلعب فيها، ولما تِقَع الطابِة بْجورِة ميّْ، تْصير ثْقيلِة وتتوسخ بالتراب، وملابسنا تصير كلها تراب ووَحول، نرجع عالبيت ونوكُلْ قتلِة جوّْ العين كان جميل جدًا، ولغاية اليوم بحب أروح وأقعد تحت التوتِة واستعيد ذكريات الماضي”.

يِحْمِلْ سَوّاقْ الميّْ  (الفِنْيارْ) اللي بِضْوي عالفَتْلِة والكازْ ويْنادي على صْحاب الأراضي 

يتغنّى أبو مشيل بوصف أجواء العين ويتابع: “مُزراب الميّْ كان يْصُبّْ في الرانْ اللي بِشْرب منُّه الطَرشْ والبقر اللي كان طولُه 30 متر وعُمْقُه 20 سنتمتر، بذكُر وانا ولد صْغير، كنت أسبح مع لِولاد ونُغْطُسْ في الران بلا ملابِسْ. في أيام (الرَجيدِة) ونقل القمح عالبيادِر، كانوا الفلاحين يجيبوا الجْمالْ قبل البدء في الرَجيدِه عالعين، يِنَيْخوا الجْمالْ ويِغَسّْلوها ويِدْهنوها بالقَطْرانْ. بعد قضاء كل الحاجات عند الناس من العين، ييجي “الساقي” واحد من البلد، كانت وظيفْتُه يوزِّع الميّْ على حَواكير الناس عن طريقْ قنوات باطون نازْلِة من العين للشارع الرئيسي لأطراف البلد. بالليل يِطلَعْ سَوّاقْ الميّْ حامِلْ (الفِنْيارْ) قنديل قديم يِضْوي عالفَتْلِة والكازْ، ويْنادي على صْحاب الأراضي ويقول: هيييييي يابو فلان اليوم دورَكْ لإنزل عالأرض السيعة كذا”.

يا مِنْضلّْ إحنا والمسيحية والاسلام سوى بهايْ البلد يا مْنِطلَعْ منها سوى

قلت: شو بْتذكر من النكبة عام 1948؟…. أبو مشيل: ” كان عمري في هذاك الوقت 13 أو 14 سنة. بذكُر اللاجئين اللي تْوافدوا جماعات جماعات عن طريق الرامة للبقيعة، يِرْتاحوا تحت الزتون عنّا وأهل البلد يستضيفوهم بالمَيّْ والطعام. بذكُر لما أجوا ناس من عائلة نصرة من الكويكات وناموا على سطح بابور الزيت (معصرة الزيتون)، يومها، خِلْقَتْ أم حاتم زوجة رفيقي وصديقي وفيق نصرة اللي ساكنين اليوم بأبو سنان”.

وتابع أبو مشيل: “لما فاتت الهاجاناة، أجا الناطور دار في حارات البلد بأمر من الضابط، ونادى المسيحيين والإسلام واللاجئين اللي أجوا من القرى الأخرى بِطلُب منهُن باسم الجيش، يتركوا البقيعة ويِطْلَعوا منها، ولذلك من المغرِبْ صارت الناس تْضُبّْ غراضها وحاجاتْها وتِبْكي استعدادًا للرحيل. بذكر أبويْ كان عند جارنا الشيخ أبو حسن عبد الله فَضّولْ، ولما رِجع عالبيت هدّأ بالنا وقال: متخافوش، جارنا أبو حسن طَمَّني. ثاني يوم اجتمعوا المشايخ الدروز مع الضابط تحت التوتة في ساحة العين وقالولُه بصريح العبارة: يا مِنْضلّْ إحنا والمسيحية والإسلام سوى بهايْ البلد، يا مْنِطلَعْ منها سوى، وفعلاً صدر الأمر من قائد الجيش وِبْقينا في البقيعة بفضل الشيخ أبو حسن فضّول والمشايخ الدروز الآخرين”.

خمِسْ مطلوبين شباب منهم عمّي جُبرائيل الحاج

وتابع أبو مشيل: “في يوم، كنت عند التوتِة باب بيتْنا، شُفتْ جندي معُه ورقة فيها أسماء شباب طالِبْهُن الجيش، وكنا نسمع في بلاد أخرى إنُّه في حال استدعى الجيش مَطلوبين، هذا معناه الإعدام، من جُملِة المطلوبين عمّي جُبرائيل الحج، رُحتْ أركُض عند دار عمّي، لاقيتُه عند جارْنا الشيخ أبو حسن فضّول، وإلا الجندي والناطور داخْلين عالبيت، وكان من بين الموجودين جارْنا طُعْمِة قسّيسْ كان شاويش بقوِّة لِحدود على زمن الإنجليز، قال الجندي لَطُعمِة: إنتي جبرائيل الحجّ؟… ردّْ عليه عمّي وقال: أنا جُبرائيل الحج شو بدّك… قلُّه: تعال معي… وبذكُر من اللي اعتقلوهن يومْها: عمّي جبرائيل وحبيب مخول وجبرائيل متري وواحد من سُحماتا إسمُه أسعد خليل سمعان. أوامر الاعتقال كانت بسبب إخباريات عنهن، إنُّه عندهن سلاح، كانت العائلات زمان تتشارك ويِشْتروا بَواريد، وقبل الاحتلال، كانوا الشباب يروحوا على أول البلد، يسكّْروا الشارع بالحجارة ويِتْمَتْرسوا لمنع اليهود من دخول لِبقيعة.. هاي الحراسِة المحليِّة كان يْشارِكْ فيها أهل البلد من كل الطوائف. المهم أجا الجيش أخذ الخمس مطلوبين خارج البلد، وأمر الضابِط أحد الجنود يوخذهن لتحت البلد ويْطَبِشْهُن قتل، لكن كما يبدو كان عند هذا الجندي شويِّة إنسانيِّة، ولما وصل تحت قال: إعملوا حالْكو بتوكلوا قَتِلْ وصَرّْخوا بصوت عالي… وبعدين تَركوهن.

وبذكُر قبل ما يْفوت الجيش عالبقيعة بيوم واحد، كيف طْلِعنا عالسطوح وشُفْنا الطيارات بْتُقصُفْ ترشيحا وسُحماتا وتِرْمي الأزانات والدخان طالع من البلدين ونسمع أصوات الانفجارات. على لِبقيعة أجو لاجئين كثار من سحماتا، قسم دار سِمعان هربوا على فسوطة وقسم منهُن بِقيوا في بلدنا”.

انتسبت للشبيبة عام 1950 ومن وَقْتها وأنا أوزِّع “الاتحاد” لليوم

قلت: وبدأت أيام الشبوبيِّة والعنفوان؟…. أبو مشيل: “في ربيع سنة 1950 انتسَبتْ للشبيبة الشيوعيِّة، أبويْ كان عِندُه روح وطنيِّة، حتى في فترة الحرب العالمية الثانية كنت أعرف إنُّه مع الألمان ضد الإنجليز، يعني على المثل القائل: عدوّ عدُوّي صديقي، وخاصة بعد إعلان الإنجليز عن “وعد بلفور”، وكان في نقمة عند الفلسطينيين ضد الإنجليز بسبب هذا الموقف. في الـ50 تأسس فرع جديد للحزب الشيوعي من الرفاق شفيق متري خوري، موسى سَمّورْ، الياس سمّور، موريس شداد، حنا شداد، صالح سويد (أبو عَبسِي) ومحمد فَضّولْ. بذكُر أجا الشاعر حنا ابراهيم الياس وجمال موسى من البعنة وساهموا في تأسيس الفرع وتم تعيين شفيق خوري سكرتير للفرع، كان أكثر واحد مِتْعلِّم، أجيت عليه قاعد تحت التوتِة ومعه نماذج انتساب للشبيبة الشيوعية، قلّي شو رايك تْوقِّع على طلب الانتساب، ووافقتْ على طول”…. ضحك ابو مشيل وقال: “والله ما عرِفت وَقْتها على شو بمضي ولا شو يعني الشبيبة الشيوعية، إمضي، ومضيت. وصاروا يدعوني عالاجتماعات، وبعد أقل من سنة صار ضغوطات من الحاكم العسكري، خاصة بعد انتساب عدد من الدروز للحزب الشيوعي، مثل صالح أبو عبسي اللي إلُه شعبيتُه واحترامُه في البلد، وصار على شفيق المتري ضغوطات كبيرِة من الداخل والخارج ومحاولة من الحاكم العسكري لزرع الخلاف بين أهل البلد ببعض ويِخْتِلقوا فِتنِة بين الطوائف، خصوصًا وإنه المسيحيين كانوا أكثرية الحزب. اضطر شفيق المتري الاستقالة من الحزب، وبنفس الفترة في سنة 1951 شاركت بدورة حزبية تثقيفية في عكا أنا ويعقوب سخنيني، وكان المحاضر حنا أبو حنا عضو قيادة مركز الشبيبة الشيوعية. من اللي شاركوا في الدورة بذكر منهُن: نجيبة غطاس (إم مازن) من الرامة، حبيب سليم من عبلين، المرحوم ساطي الضو من البعنة، محمد عجينِة وواحد من دار حبيشي من عكا، فَطينْ المُرّْ من شفاعمر. كنا تابعين بهذاك الوقت لمنطقة حيفا الحزبية، وبعد الـ65 انضممنا لمنطقة الناصرة. أنا كنت أنام في وقت الدورة عند الرفيق محمد عجينة. بعد انتهاء الدورة رُحنا زُرنا الرفيق جمال موسى ولاقينا الرفيق رمزي خوري عِندُه، قال: شو؟ استَفَدتوا من الدورة؟… قُلْنالُه: طبعا استفدْنا.. قال جمال: الرفيق شفيق خوري استقال من الحزب، وفي البقيعة مسجَّلْ عنّا 18 عضو شبيبة، بْتِقدروا تقودوا الشبيبِة يا شباب؟… قُلنالُه: آه طبعًا مْنِقْدرْ… الصراحة أنا كنت مُتحمِّس جدا ودمّْ شباب، والرفيق حنا أبو حنا كان عِندُه أسلوب قوي بالإقناع. أجا جمال موسى، طوى جريدة “الاتحاد” ولَفّْها بجريدِة إنجليزيِّة إسمها “البوسط”… وبس وْصِلتْ لِبقيعة، جَمَعتْ رفاق الشبيبِة، لكن من الـ18 لاقيت 8 منهم مستعدّين يكملوا، بسبب الضغوطات والتهديد بالطوشْ وتكسير أبواب… وفعلاً استمرّينا، ونزل العدد لخمسِة وبعدين لثلاثِة، أنا ورزق سِمعان ويعقوب سخنيني، وبعدين بقيت أنا ورزق لحالْنا، بعدين رزق سمعان نقل للسكن في حيفا وِبْقيت لَحالي. بدأت أوزِّع جريدة “الاتحاد” من وقت انتسابي للشبيبة سنة 1950، وبعدني بوزِّعها لغاية اليوم، بالإضافة لتوزيعها في البقيعة، كُنا نِطلَعْ مَشي على الأقدام نْوزِّعها في كفرسميع”.

حكموا على نبيه مخول ستّة أشهر سجن فعلي ويعقوب سخنيني أربعة أشهر

وتابع أبو مشيل: “بآخر سنة الـ50، أوّل الـ51، أصدر فرع الحزب في البقيعة منشور سياسي يهاجم فيه الحكم العسكري ومصادرة الأراضي، راحوا أعوان السلطة شِهدوا ضد الرفيقين اللي وزَّعوا المنشور يعقوب سخنيني ونبيه مخول الله يرحمهم، وحكموا على نبيه مخول ستّة أشهر سجن فعلي ويعقوب سخنيني أربعة أشهر لأنه قاصر تحت الجيل القانوني. كانت تعليمات الحزب في مثل هذه الحالة، نْروح نْساعد أهالي المعتقلين بكل الأشغال، بذكُر اشتغلت يوم كامل، طول النهار، مع والد نبيه مخول عالبيدر، حتى ما يشعر بنقص في غْياب إبنُه، ولذلك كان في تقدير من أهالي أعضاء الشبيبة على النخوة والتربية اللي منكتَسِبْها من الحزب الشيوعي. وِبْقيتْ بعلاقة حميميِّة مع والد نبيه مخول حتى توفّى قبل ثلاثة أشهر وتربطني علاقة متينة مع ابنائه إلى اليوم”.

جمال موسى يَخطُبْ للتوتِة

تابع أبو مشيل: “صار في تَحدّي وقرّرنا في سنة 1952 نعقد أول اجتماع شعبي، على ساحة العين تحت التوتِة بْلِزِقْ بيتنا، ويخطُب فيه جمال موسى، الناس حابِّة تيجي وتسمع بس من الضغوطات كانت تخاف الناس تُحضُر، رُحْنا أنا والرفيق رِزق سِمعان دعينا البلد كلها، والكل يوعد ييجي عالاجتماع. صار وقت الاجتماع، لكن الناس بِقيوا واقفين في الساحة بعيد عن مكان التجمهر… أجا جمال موسى قال بصوت عالي: ما دام الوضع هيك، بدّي أخْطُبْ للتوتِة، وصار يِحكي مع التوتِة ضد ممارسات الحكم العسكري ومصادرة الأراضي والتصاريح وغيرها، صارت الناس تْقرِّب أول بأوّل على ساحة الاجتماع وعِملوا حَلقة حول جمال، ونجح الاجتماع بشكل كبير، ويومها صار أبو زيد خالْنا”.

تين جازْ” … دَخَّنْ الماتور وخِرْبِة سيارة البوليس

وقال أبو مشيل: “بذكُر كمان عندما قُتلوا الشباب الخمسِة من الناصرِة وحيفا، في وقتها كان في أزمة عمل للطلاب الجامعيين وأغلقت أمامهم أبواب العلم والعمل، كثار منهم هاجر خارج البلاد، مِسْكوا هذول الشباب  وقتلوهُن على حدود غزة، وصار في حركة احتجاج ضد مقتلهن، وقررنا نعقد اجتماع شعبي على ساحة العين ويِحكي فيه إميل توما، صرنا نْحضّر للاجتماع. أجا البوليس أخذ أخويْ وإبن عمي بالسيارة وقالولْهن: إسا بِتْشوفوا كيف بدنا نْكسِّر عظام الشيوعية وأولهُنْ أخوك كمال. وِصلنا من الحزب إنه كان لازم تصريح للاجتماع، وما وافقوا على تصريح لإميل توما، وحضر بدلا منه الرفيق يوسف شحادة من كفرياسيف، وقررنا نقل الاجتماع على الطابق الثاني من بيتنا اللي صار فيما بعد نادي للحزب ولا يزال حتى يومنا هذا. ونجح الاجتماع ووقف يوسف شحادة على البلكون وخطب بالناس المتجمهِرة في الساحة. في ناس كانت جاي تسمعنا وناس جاي تشوفْ كيف الشيوعية بدهن يوكلوا قتلِه من البوليس، لكن الاجتماع نجح أكثر وحكى يوسف الشحادة عن الإرهاب البوليسي وسلب الأرض ومقتل الشباب الخمسِة. بذكُر كنت واقف وأهتف بين الناس (فليسقط الإرهاب البوليسي) وهالجمهور يْرُدّْ عليّْ. البوليس بن يتسحاك ضابط المهمّات الخاصة سيء الصيت وقف بعيد من الجهة الثانيِة، ومعه سيارة وشرطي، صار يِقول للشرطي: )تين جازْ)، شغِّل السيارة وادعس على البنزين وهدِّرْ،  وزمِّر بالزامور عشان ما حدى يسمع هذول الشيوعيين، الاجتماع نجح، وقدّْ ما دعس الشرطي جاز، دَخَّنْ الماتور وخِرْبِت سيارة البوليس. صارت الناس تضحك على بن يتسحاك. هذه النشاطات اللي نفتخر بها في البقيعة، قاومنا الإرهاب البوليسي، وتصدّينا لسلب الأرض ونجحنا في تجنيد الناس إلى صفْنا. بعد هذا الاجتماع قويِة شوكِتنا وقسي عودْنا، ورُحنا 18 واحد من لِبقيعة في سيارة (بِكابْ) لأصدقائنا من دار سمّور، على ترشيحا نشارك في اجتماع شعبي شعبي في ترشيحا، نزلنا تحت عند البِركِة وطلعنا بِمحورَبِة على بيت الرفيق جبرائيل الحجّ ونقول (شعار الشيوعي المطرقة والمنجل يعيش توفيق طوبي الفطحلِ)، كان حكم عسكري والناس مَقطوع قلبها، تشوف أهل ترشيحا يْطُلّوا علينا من شقوق الشبابيك. وصلنا الاجتماع ولاقينا هناك إياد بشارة وجبرائيل بشارة وإيليا بشارة، وكان جمال موسى يُخطُبْ، وحضورْنا أنجح الاجتماع أكثر.

بعد ما قسي عودْنا صارت الناس تتحدّى وتِمضي على كل العرايض، بذكُر مرّة كنت قاعد تحت التوت مع الشيخ شريف مهنا والد مفيد مهنا، بقُلُّه: إمضي على هاي العريضة.. بِقُللي: ضد الحكومِة؟.. قلتلُّه: آه ضد الحكومِة، بِقُلّي: آه يِلعن أبوهِن كلاب… ويِمضي عليها حتى بدون قراءة”.

لا أكلتْ منها كَفّْ ولا أكْلتْ منّي كفّْ

قلت: كيف كان مستوى معيشتكو بهذيك الفترة؟…. أبو مشيل : “الوضع الاقتصادي كان صعب، أنا كنت عايِشْ على تأمين أبويْ، وأبويْ على تأمين إمُّه. بعدين اكتسبت مهنة أبويْ وصرت أشتغل بالعمار بشكل مستقل حتى سنة 1960. واشتغلت بالفلاحة شويّ، بعدين رحت اشتغلت بِجْدارات الطلياني  (الحجر) في معالوت. وفي سنة 1957، تْزوّجت هالنوارَة (أم مشيل) وكانت أكبر معين إلي”…… قلت مازحًا: يعني إم مشيل إلها فضل على طول عمرك؟….. ضحك أبو مشيل وقال: “آه يازلِمة، طبعًا إلها كل الفضل، أنا وإم مشيل مش بس زوج وزوجِة، إحنا صْحابْ وأصدقاء ولا بِحياتْنا اخْتَلفنا، لا أكلتْ منها كَفّْ ولا أكْلتْ منّي كفّْ”…. ضْحِكنا كلّْنا بتواصل وشاركنا الأجواء الدافْيِة الصحفي والكاتب مفيد مهنا اللي قال: “أنا بَشهد على كل كلمِة قالْها أبو مشيل”.

قال الحاكم العسكري لَنِعمِة عَبْدُه: إنتي بْتِشْتِمني بْعقلَك

قلت: ورغم الضغوطات واصلت نشاطك في مقارعة الحكم العسكري؟…. أبو مشيل: “لما صادروا أرض البقيعة في منطقة (راسْ عَبّادْ) بين كفر سميع والبقيعة سنة 1953، عشان يِقيموا عليها مستوطنة باسم بِكْعين هَحدَشاه أيْ (البقيعة الجديدة)، جمعوا الناس عند المختار، وأجا الحاكم العسكري، وطلب من اصحاب الأراضي يِمضوا على تبديل أراضيهن بأموال متروكِة تابعة لأقطاعي من البقيعة إسمُه كامل أفندي ترك لبلاد وطلِع على لبنان وبِقيَت أرضُه مشاع. طبعا كْثار من الناس رَفضوا يِوقّْعوا على التبديلْ، ولما وصل الحاكم العسكري ساحة العين في طريق عودتُه من بيت المختار، والشباب متجمهْرِة، أجا شاب إسمُه نعمِة ناصيف عبدُه، بِتْطلَّعْ بعين حاقْدِة وعينيه بْتِقدَحْ شرار عالحاكم العسكري بسبب مصادرة الأرض، أجا الحاكم العسكري راح باتِّجاه نعمِة وقَلُّه: إنتي بْتِشْتِمني بْعقلَكْ!! .. وصار جدال حامي بيناتْهِن وانصرف من المكان”. 

دَخَّلني كمال الحج وأنا دَخَّلتْ محمد نفاع

وتابع أبو مشيل: في الـ59 كان انتخابات أول مجلس محلي في البقيعة، وخضنا الانتخابات باسم الحزب الشيوعي وغير الحزبيين وحرفها (ق)، ونجحت بعضوية المجلس بعمر 26 سنة ونجح شفيق خوري بعضوية المجلس بقائمة مستقلة. وكان إلي دور في ضم رفاق لصفوف الحزب مثل الرفيق نايف سليم اللي كانت تربطني فيه صداقة متينة. نايف كان دائما يقول: دَخَّلني كمال الحج وأنا دَخَّلتْ محمد نفاع. وبدي فرع الحزب يتوسّع في البقيعة وخصوصًا في الوسط الدرزي وصار يُردَّدْ في صفّ السحجة الهتافات الوطنية ضد الخدمة في الجيش وردّات أخرى مثل: (بَدّْنا حرية وسلام).

شحذ السيف أقل كلفة من صُنعُه

قلت: بْشو ممكن تختم هذا اللقاء الشيق؟…. أبو مشيل: “يقول المثل (شحذ السيف أقل كلفة من صُنعُه)، المطلب اليوم هو المزيد من الوحدة الوطنية، أن نعيد النهضة الوطنية اللي كانت في السبعينيات والثمانينيات، وبهاي الوحدة يمكن أن نواجه كل الظواهر والآفات الغريبة، لزوجتي وأولادي وبناتي بقول: الله يطوِّل بأعمار الجميع وأن يواصلوا الطريق اللي مشيت عليه كل عمري…


لا يوجد تعليقات حتى الان

اضف تعليق

(*)

التعليق